The State of Governance in Government-Owned Public Companies in Palestine
Publication Type
Original research
Authors

مقدمة وأهداف الدراسة

تؤسس الحكومات عادة الشركات العامة في قطاعات استراتيجية (إلى جانب القطاع الخاص) سعيًا لسد إخفاقات السوق (مثل وجود احتكار طبيعي أو عجز القطاع الخاص عن توفير سلع عامة أساسية بكفاءة) وتحقيق أهداف تنموية واجتماعية عامة. ولا تقتصر هذه الممارسات على النظم الاقتصادية المركزية، بل توجد شركات حكومية بارزة كذلك في الاقتصادات السوقية المتقدمة، إذ لا يتعارض وجود هذه المؤسسات مع مبادئ اقتصاد السوق الحر ما دامت خاضعة لأطر تنظيمية وحوكمية تكفل تكافؤ الفرص وتقيد التدخل الحكومي غير المبرر في السوق، فتقتصر مهمة الدولة على تصحيح إخفاقات محددة دون منح هذه المؤسسات امتيازات تنافسية غير عادلة.

يتلخص الهدف العام للدراسة في حصر وتقييم واقع الحوكمة في الشركات العامة المملوكة كلياً أو جزئياً للحكومة الفلسطينية، ويتضمن ذلك الوقوف على مدى التزام تلك الشركات ومسؤوليها والعاملين فيها بمبادئ النزاهة والشفافية والمساءلة في إدارتها، وتحديد أبرز نقاط القوة والضعف في الممارسات الحوكمية الخاصة بها. وتسعى الدراسة أيضاً إلى تقديم توصيات إصلاحية عملية من شأنها تعزيز أطر الحوكمة الرشيدة لتلك الشركات، ورفع كفاءة أدائها، وتحسين جودة خدماتها.

الإطار التشريعي والمؤسسي

كشفت الدراسة عن وجود تشتّت مؤسسي وتشريعي في حوكمة الشركات العامة الفلسطينية نتيجة تعدد الجهات المالكة أو المشرفة عليها، في ظل غياب إطار قانوني مركزي موحّد يضبط العلاقة بين هذه الجهات. فقد أنشئت الشركات العامة عبر مسارات قانونية وإدارية متنوعة؛ البعض تأسس بقوانين خاصة صادرة عن مجلس الوزراء أو بقرار رئاسي أو ضمن قوانين قطاعية، في حين سُجّلت شركات أخرى كشركات مساهمة عامة لدى وزارة الاقتصاد وأدرجت في بورصة فلسطين دون أي تمييز قانوني يعكس طبيعتها الحكومية. هذا التباين أدى إلى اختلاف في متطلبات الشفافية والإفصاح وفي مرجعيات الحوكمة من شركة لأخرى. ورغم صدور قانون الشركات الفلسطيني رقم (42) لسنة 2021، فإنه لم يفرد أحكامًا تفصيلية خاصة بحوكمة وإدارة الشركات العامة ومتابعتها، مما أبقى فراغًا تشريعيًا ساهم في تعدد الجهات الرقابية والإشرافية عليها وتفاوت معايير الإدارة والرقابة تبعًا للوزارة أو الهيئة المشرفة على كل شركة.

وتبيّن أيضًا أن بعض الشركات العامة أُنشئت بموجب قرارات بقانون دون أن تمر بإجراءات نقاش مجتمعي وأخذ رأي الخبراء والجهات ذات العلاقة، خلافًا لمبدأ وجوب إنشائها بموجب قانون خاص يحظى بنقاش عام. أمام هذه الثغرات التشريعية والمؤسسية، توصي الدراسة بإعداد قانون موحّد لحوكمة الشركات المملوكة للدولة يضع قواعد ملزمة وواضحة لجميع الشركات العامة بغض النظر عن طبيعتها أو جهة إشرافها، بما يعزز الشفافية والمساءلة ويوحد الممارسات الحوكمية بينها. أو أن يتم إدماج ضوابط الحوكمة الموحدة في القوانين الخاصة بكل شركة، أو إلزامها جميعًا بتطبيق مدونة حوكمة الشركات المعمول بها للشركات المساهمة العامة. كذلك، يستدعي الأمر تسجيل كافة الشركات العامة لدى مسجل الشركات في وزارة الاقتصاد الوطني وإخضاعها لأحكام القوانين والأنظمة السارية، بما في ذلك رقابة مسجل الشركات ذاته، لضمان توحيد الإشراف القانوني والتنظيمي عليها.

وفي الإطار نفسه، أوصت الدراسة بمراجعة شاملة للإطار القانوني والرقابي الناظم لعمل الشركات العامة لتحقيق توازن بين استقلالية الإدارة التجارية لتلك الشركات وبين التزامها بتحويل جزء من أرباحها لدعم الخزينة العامة واستقرار المالية العامة للدولة. إن سنّ التشريعات والسياسات المذكورة يتطلب دورًا فاعلًا من مجلس الوزراء والجهات الحكومية ذات الصلة لوضعها موضع التنفيذ العملي.

الرقابة والمساءلة: الدور الرسمي والمؤسسي

أظهرت النتائج وجود ضعف في آليات الرقابة والمساءلة الرسمية على الشركات العامة على المستويين الداخلي والخارجي. فعلى الصعيد الداخلي، لا تتمتع مجالس إدارة كثير من هذه الشركات بالصلاحيات أو الاستقلالية الكافية لمساءلة الإدارات التنفيذية ومحاسبتها؛ خاصة عندما يتم تعيين أعضاء مجالس الإدارة (أو رؤسائها) بناءً على اعتبارات الثقة السياسية عبر الجهات الحكومية العليا. هذا الوضع يُقيّد قدرة المجلس على فرض رقابة صارمة ويؤثر على مهنيّة صنع القرار.

أما على الصعيد الخارجي، فقد تأثرت المساءلة سلبًا منذ حلّ المجلس التشريعي الفلسطيني وتعطّل دوره الرقابي؛ فلم تعد هناك لجان برلمانية أو جلسات استجواب تتابع أداء الشركات العامة كما ينبغي. في ظل هذا الفراغ الرقابي البرلماني، يضطلع ديوان الرقابة المالية والإدارية حاليًا بدور الرقابة الخارجية على تلك الشركات، إلا أن تقاريره الرقابية تظل في إطار التوصيات غير الملزمة التي كثيرًا ما تفتقر للمتابعة والتنفيذ الفعلي. وإضافة لذلك، يُلاحظ شُحّ المعلومات والتقارير المنشورة في إصدارات ديوان الرقابة الأخيرة فيما يتعلق برقابة أداء الشركات الحكومية (بما فيها صندوق الاستثمار).

تعاني منظومة الرقابة أيضًا من تداخل أو غموض في تحديد صلاحيات بعض الجهات الإشرافية، فعلى سبيل المثال، ليس هناك وضوح كاف حول دور وزارة المالية وآليات إشرافها على الشركات العامة والشركات السيادية، مما يثير التساؤلات حول قدرة الوزارة الفعلية على ضمان الإدارة الرشيدة لموارد الدولة عبر هذه الشركات. كما أن طبيعة العلاقة الرقابية بين وزارة المالية وصندوق الاستثمار يشوبها قدر من الضبابية في غياب تشريع خاص ينظم هذه الوضعية، لا سيما مع غياب الرقابة البرلمانية المعتادة.

بناءً على ذلك، توصي الدراسة بتطوير نظام رقابي متكامل يجمع بين تعزيز الرقابة الداخلية عبر آليات واضحة وفعّالة داخل كل شركة، وبين ضمان فعالية وانتظام الرقابة الخارجية من قبل الجهات الرسمية ذات الاختصاص. إن وجود آليات تدقيق ولجان رقابة داخلية قوية إلى جانب رقابة مركزية من مؤسسات الدولة سيكفل الشفافية والمساءلة ويحدّ من التجاوزات. وفي السياق نفسه، أكدت التوصيات ضرورة دعم استقلالية ديوان الرقابة المالية والإدارية وتوسيع صلاحياته، بما يمكنه من أداء مهامه الرقابية دون تأثير أو قيود. وكذلك شددت على تعزيز التنسيق بين ديوان الرقابة وهيئة مكافحة الفساد والجهات الرقابية الأخرى ذات العلاقة، لضمان تكامل الجهود الرقابية.

النزاهة ومكافحة الفساد في الشركات العامة

بينت الدراسة أن منظومة النزاهة ومكافحة الفساد في الشركات العامة ما زالت غير مكتملة وتحتاج إلى تدخلات لتعزيزها. فعلى الرغم من وجود سياسات وإجراءات قانونية لمنع تضارب المصالح، إلا أن هناك نقصًا في السياسات الداخلية المكتوبة لبعض جوانب النزاهة. فمعظم الأنظمة الداخلية للشركات لا تتضمن أحكامًا صريحة بشأن قبول الهدايا مثلاً، ويتم الاكتفاء بأدلة أخلاقيات عامة تغطي هذا الجانب بشكل غير مباشر، باستثناء النظام الأساسي لصندوق الاستثمار الذي تضمن نصًا صريحًا في هذا الشأن. ورغم عدم تسجيل حالات تجاوز بخصوص تلقي الهدايا من قبل موظفي الشركات العامة وفق المعلومات الرسمية المتاحة، فإن غياب النصوص الواضحة قد يترك مجالًا لتفاوت الالتزام.

كما اتضح أن هيئة مكافحة الفساد لم تطلب حتى الآن من مسؤولي الشركات العامة تقديم إقرارات الذمة المالية، وذلك بسبب اتساع قاعدة الخاضعين لقانون الهيئة وضعف مواردها البشرية الكافية لمتابعة جميع القطاعات، إلى جانب أن الشركات نفسها لم تبادر طوعًا بتقديم تلك الإقرارات. علاوة على ذلك، لا توجد لدى الحكومة سياسات أو برامج خاصة بإدارة مخاطر الفساد في الشركات العامة، ما يعني افتقار النهج الاستباقي لمنع الفساد واكتشافه في هذا القطاع.

بناءً على هذه المعطيات، أوصت الدراسة بتعزيز إطار النزاهة داخل الشركات العامة من خلال إلزامها بنشر مدونات سلوك وأنظمة عمل داخلية مكتوبة تتضمن بوضوح معايير النزاهة والضوابط الأخلاقية. ويشمل ذلك اعتماد سياسات ملزمة لمنع تضارب المصالح وتعامل الموظفين مع الهدايا والإكراميات، وإقرار نظام للتصريح عن الذمة المالية للمسؤولين، ووضع آليات للإبلاغ عن شبهات الفساد مع توفير الحماية اللازمة للمبلغين. تنفيذ مثل هذه السياسات يتطلب تنسيقًا بين هيئة مكافحة الفساد وديوان الرقابة المالية والإدارية لضمان متابعة مدى التزام الشركات بها.

الشفافية والإفصاح والمساءلة المجتمعية

أبرزت الدراسة قصورًا في الشفافية وآليات المساءلة المجتمعية لدى العديد من الشركات العامة. فعلى صعيد الإفصاح، لوحظ أن بعض الشركات الحيوية لم تقم بنشر تقاريرها أو ميزانياتها المالية لعامة الجمهور عبر مواقع إلكترونية رسمية. فمثلًا شركة المياه الوطنية والشركة الفلسطينية لنقل الكهرباء لم تنشرا أيًا من تقاريرهما أو بياناتهما المالية على الإنترنت حتى وقت إعداد الدراسة، ما يحرم المواطنين وأصحاب المصلحة من الاطلاع على أدائهما المالي والإداري. وفي المقابل، يلتزم صندوق الاستثمار الفلسطيني بنشر بياناته المالية الموحدة وتقرير المدقق الخارجي المستقل ضمن تقاريره السنوية المنشورة على موقعه، إلا أنه لا يجري نشر تلك التقارير بالتفصيل على مستوى الشركات الفرعية غير المدرجة التي يمتلكها الصندوق. ويُعزى ضعف الشفافية لدى بعض الشركات أيضًا إلى غياب أي التزام قانوني خاص يفرض عليها النشر المنتظم للمعلومات، خاصة في ظل عدم وجود مدونة حوكمة خاصة بالشركات العامة.

من جهة أخرى، تعاني هذه الشركات من ضعف آليات المساءلة المجتمعية؛ إذ تبيّن تدنّي وعي الجمهور بوجود الشركات العامة وبطبيعة عملها والخدمات التي تقدمها. إن محدودية معرفة المواطنين بأدوار هذه الشركات تحول دون مشاركتهم الفاعلة في مراقبة أدائها أو مساءلتها أو حتى الاستفادة القصوى من خدماتها، مما يؤدي إلى عدد ضئيل جدًا من الشكاوى أو الملاحظات الواردة منهم. بناءً على ذلك، شددت توصيات الدراسة على تعزيز الشفافية وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالشركات العامة. ويتضمن ذلك إلزام تلك الشركات بنشر تقارير مالية وإدارية دورية عبر مواقع إلكترونية رسمية محدثة ومتاحة للجمهور، بما يكفل اطلاع المواطنين والجهات الرقابية والمجتمع المدني على أدائها بشكل منتظم. كذلك، دعت التوصيات إلى تطوير قنوات واضحة ومباشرة لتلقي شكاوى المواطنين ومعالجتها، مع تعزيز وعي الجمهور بوجود ودور الشركات العامة. إن حملات التوعية وإشراك وسائل الإعلام والمجتمع المدني يمكن أن تساهم في تعريف المواطنين بخدمات هذه الشركات وآليات التواصل معها. ومن شأن تحسين الإفصاح وإشراك المواطنين في الرقابة أن يرفع جودة الأداء ويعزز مبادئ الشفافية والمساءلة عبر ما يُعرف بالمساءلة المجتمعية، حيث يصبح الجمهور شريكًا في التقييم والمتابعة.

تنظيم قطاعي الكهرباء والمياه: تعزيز دور الهيئات الناظمة

تواجه حوكمة الشركات العامة في قطاعي الكهرباء والمياه تحديات إضافية مرتبطة بفعالية الهيئات الناظمة واستقلاليتها. ففي قطاع الكهرباء، تُظهر الدراسة أن مجلس تنظيم قطاع الكهرباء الفلسطيني (وهو الجهة التنظيمية المشرفة على شركات النقل والتوزيع) لا يتمتع بالاستقلالية والصلاحيات الكافية للقيام بدوره الرقابي الكامل؛ إذ يقتصر دوره فعليًا على رفع التوصيات بشأن تعريفات الأسعار ومنح الرخص، بينما تظل صلاحياته التنفيذية محدودة. وهذا التقييد في الدور يضعف من قدرته على ضبط أداء الشركة الفلسطينية لنقل الكهرباء وشركات التوزيع وضمان التزامها بمعايير الخدمة والكفاءة. أضف إلى ذلك وجود تداخل محتمل في الصلاحيات وتعدد الجهات المتدخلة في تنظيم قطاع الكهرباء (بين مجلس التنظيم وسلطة الطاقة والشركة الناقلة وشركات التوزيع وحتى وزارة الحكم المحلي فيما يتعلق بخدمات البلديات) مما قد يسبب تضاربًا أو ثغرات تنظيمية.

أما في قطاع المياه، فيناط التنظيم بـمجلس تنظيم قطاع المياه الذي يعاني من نقص كبير في الإمكانات البشرية والفنية؛ حيث يعمل فيه عدد محدود جدًا من الموظفين. كما يفتقر المجلس إلى وجود دائرة تدقيق ورقابة داخلية خاصة به، مما يضعف قدرته على مراقبة التزام مزودي خدمات المياه بالأنظمة المالية والفنية المعمول بها ويحد من ممارسته الرقابة الذاتية الفعّالة. ومع أن هذا المجلس مُنح صلاحية ترخيص جميع مقدمي خدمات المياه وفق نظام التراخيص الصادر عام 2023، إلا أن القيام بهذا الدور على الوجه الأكمل يستلزم توفير كوادر بشرية إضافية ومؤهلة.

لمعالجة هذه الثغرات في قطاعي الكهرباء والمياه، توصي الدراسة بتمكين الهيئات الناظمة وتعزيز استقلاليتها. فمن جهة، يجب منح مجلس تنظيم قطاع الكهرباء الصلاحيات الكاملة أسوة بالهيئات المماثلة في الدول الأخرى، ليتمكن من الإشراف الفعلي على الشركات العاملة في القطاع. ويتطلب ذلك أيضًا مراجعة النصوص القانونية ذات الصلة بقطاع الكهرباء لإزالة أي لبس قد يتيح تفسيرات متعارضة، ولتحديد حدود ومسؤوليات كل من مجلس التنظيم وسلطة الطاقة والشركة الناقلة وشركات التوزيع ووزارة الحكم المحلي بشكل واضح لا مجال فيه للتداخل.

ومن جهة أخرى، ينبغي إعطاء مجلس تنظيم قطاع المياه الصلاحيات الكاملة لأداء دوره واتخاذ القرارات اللازمة دون تأثير أو تدخلات ذات طابع سياسي أو اقتصادي، مع رفده بالموارد والكفاءات البشرية الضرورية لتمكينه من القيام بالمهام الرقابية المناطة به على أكمل وجه.

العوائد المالية للشركات العامة ودور وزارة المالية

تطرّقت الدراسة إلى إشكالية إدارة العوائد المالية للشركات العامة وعلاقتها بالمالية العامة للدولة. حاليًا، تخضع عملية تحويل أرباح الشركات العامة إلى الخزينة العامة لمبدأ دستوري عام (وارد في المادة 91 من القانون الأساسي) دون وجود نصوص قانونية خاصة تلزم بالتحويل المنتظم أو الفوري لتلك الأرباح. هذا الفراغ التشريعي جعل تحويل الفوائض المالية مرهونًا بقرارات مجالس الإدارة في كل شركة وبالأنظمة أو التعليمات الصادرة عن مجلس الوزراء لكل حالة، مما أدى إلى تباين عملي بين الشركات في كيفية التصرف بأرباحها؛ فبعضها قد يحول جزءًا من الأرباح للدولة، بينما قد تحتفظ أخرى بأرباحها لتعيد استثمارها أو تغطية نفقاتها.

إضافة إلى ذلك، أشارت الدراسة إلى ضعف التنسيق بين الشركات العامة (بما فيها الشركات السيادية كصندوق الاستثمار) وبين وزارة المالية بخصوص استخدام تلك الإيرادات في دعم الموازنة العامة. هذا الوضع يثير مخاوف بشأن فقدان جزء من الموارد العامة التي يمكن توظيفها لسد العجز المالي أو تمويل الخدمات العامة. ولتصويب هذا الخلل، توصي الدراسة بوضع إطار قانوني ملزم يضمن تحويل فائض إيرادات وأرباح الشركات العامة والسيادية إلى الخزينة العامة بصورة منهجية. ينبغي أن يحدد هذا الإطار بوضوح آلية احتساب الأرباح وتوزيعها بين الشركة والدولة، وتوجيه تلك الموارد نحو الأولويات الوطنية الملحّة.

صندوق الاستثمار الفلسطيني والشركات السيادية: حوكمة خاصة

حظي صندوق الاستثمار الفلسطيني (الصندوق السيادي للدولة) باهتمام خاص في الدراسة باعتباره حالة فريدة لشركة عامة ذات طبيعة سيادية واستثمارات واسعة. تبيّن أن الوضع القانوني للصندوق غير واضح تمامًا ضمن التصنيفات التقليدية؛ فلا يوجد قانون خاص حديث يُعرّف شكل الصندوق كصندوق سيادي وينظم أعماله وعلاقته بالحكومة بشكل متكامل. فعلى الرغم من أن الصندوق مملوك دستورياً للشعب الفلسطيني وبالتالي للدولة ويعمل نيابةً عنها، إلا أنه يُعامل حاليًا من الناحية العملية كشركة مساهمة عامة تخضع لأحكام قانون الشركات ومدونة حوكمة الشركات المساهمة العامة. وتقوم هيئة سوق رأس المال بمتابعة مدى التزام الصندوق بمبادئ الحوكمة باعتباره (أو بعض شركاته التابعة) مدرج في السوق المالي، وذلك في ظل غياب إطار قانوني خاص يحدد دور الصندوق كصندوق ثروة سيادي.

كما كشفت الدراسة عن ضبابية في العلاقة الرقابية بين صندوق الاستثمار ووزارة المالية؛ فلا توجد ترتيبات قانونية واضحة تُخضع عمليات الصندوق وإدارته المالية لإشراف مباشر من وزارة المالية أو لرقابة برلمانية فعالة. ومع أن مرسومًا رئاسيًا صدر عام 2006 لتشكيل مجلس إدارة الصندوق، تبقى الحاجة قائمة لقانون شامل ينظم كل ما يتعلق بحوكمة هذا الصندوق. ويزداد الأمر إلحاحًا بالنظر إلى حجم استثمارات الصندوق؛ فهو يدير استثمارات حكومية متنوعة في أكثر من 60 شركة وصندوق ومشروع في قطاعات حيوية مختلفة، ما يعني تأثيرًا كبيرًا على الاقتصاد والدخل العام.

ولمعالجة هذه الجوانب، قدّمت الدراسة توصية صريحة بإصدار قانون خاص بصندوق الاستثمار الفلسطيني بصفته صندوقًا سياديًا. يجب أن ينظم هذا القانون كل ما يتعلق بحوكمة الصندوق، بما في ذلك تشكيل مجلس إدارته ومعايير تعيين أعضائه وصلاحياتهم، وآليات اتخاذ قرارات الاستثمار، وكيفية التعامل مع العوائد والأرباح وتحويلها، وضمان مراعاة مبادئ الحوكمة الرشيدة من شفافية ومسؤولية في جميع أنشطته. ومن المقترح أن يستفيد هذا التشريع من الاطلاع على قوانين الصناديق السيادية المماثلة في دول أخرى لضمان تبني أفضل الممارسات الدولية

التوجهات الاستراتيجية وتنسيق السياسات العامة

خلصت الدراسة إلى أن هناك افتقارًا لتوجه إستراتيجي حكومي واضح إزاء تنظيم وإدارة الشركات العامة، إذ لا توجد حتى الآن سياسة حكومية شاملة أو إطار وطني موحد لهذه الشركات. تمثل ذلك في غياب تشريع موحّد ينظم عملها (كما سبقت الإشارة)، إضافة إلى صدور بعض القرارات بقانون ذات العلاقة بإنشاء أو إدارة شركات عامة دون نقاش مجتمعي أو رؤية إستراتيجية متكاملة. بناءً عليه، أوصت الدراسة بتبني استراتيجية وطنية شاملة لحوكمة الشركات العامة في فلسطين، تتضمن رؤية موحدة وأهدافًا مرحلية لرفع كفاءة الحوكمة في تلك الشركات. وينبغي أن تشتمل هذه الاستراتيجية على مؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس لمتابعة التقدم، وجدول زمني محدد لتطبيق معايير الحوكمة بصورة متدرجة على مختلف الشركات العامة. إن وجود استراتيجية وطنية سياساتية سيتيح تنسيق الجهود بين كافة الجهات الرسمية ذات العلاقة – مثل مجلس الوزراء والوزارات القطاعية وهيئات الرقابة – لضمان انسجام خطوات الإصلاح وعدم تضاربها أو إهمال أي جانب.

وفي الإطار ذاته، أكدت الدراسة ضرورة تحديث الإطار المعياري لحوكمة الشركات؛ فقد صدر قرار بقانون الشركات الجديد لعام 2021 متضمنًا تعديلات تؤثر على مبادئ الحوكمة، لذا تصبح هناك حاجة لمراجعة وتعديل مدونة قواعد حوكمة الشركات في فلسطين لتتواءم مع المستجدات التشريعية. وعلى جميع الشركات – بما فيها الشركات العامة – إعادة تصويب أوضاعها وتحديث أنظمتها الداخلية بما ينسجم مع أحكام قانون الشركات المعدّل. إن تبني هذه الخطوات الإستراتيجية والمؤسسية سيساهم في سد الفجوات الحالية وبناء ثقافة حوكمة رشيدة على المستوى الوطني.

Journal
Title
الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان"
Publisher
الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان"
Publisher Country
Palestine
Publication Type
Both (Printed and Online)
Volume
--
Year
2025
Pages
--