تتناول هذه الدراسة استهداف المؤسسات التعليمية الفلسطينية بوصفه ممارسة استعمارية استيطانية ممنهجة، تتجاوز التدمير المادي إلى تقويض الاستمرارية الوجودية والقدرة المعرفية للمجتمع الفلسطيني. تنطلق الدراسة من إشكالية مركزية: كيف تعمل إبادة التعليم، في صورتها العنيفة المباشرة في غزة وصورتها البطيئة المتدرجة في القدس، على إعادة تشكيل الوجود الفلسطيني وتقويض أمنه الوجودي، وكيف يُعاد إنتاج هذا الوجود عبر ممارسات الصمود المعرفي؟ وتهدف الدراسة إلى: تحليل أنماط إبادة التعليم في فلسطين، وتفسير علاقتها بالأمن الوجودي، واستكشاف تجليات الصمود الوجودي، وتطوير مفهوم "الجامعة الشاهدة".اعتمدت الدراسة منهجاً نوعياً نقدياً، مستنداً إلى التحليل الخطابي النقدي والمقاربات الوجودية، مع تطوير أداة تحليل خاصة هي "تحليل خطاب الوجود". شملت العينة 22 مقابلة معمقة مع أكاديميين ومعلمين وطلبة من غزة (12) والقدس (10)، إضافة إلى تحليل تقارير دولية ووثائق ومحتوى رقمي ذي صلة.أظهرت النتائج أن استهداف التعليم في غزة اتخذ طابعاً تدميرياً مباشراً، مع استهداف انتقائي لحَمَلة الذاكرة في العلوم الإنسانية، ما انعكس في شعور عميق بانهيار المستقبل والهوية. أما في القدس، فتجلت إبادة التعليم في صورة عنف بطيء عبر التصاعد التدريجي لفرض المناهج المحرفة، وتحريف يمس جوهر الهوية الوطنية. كما كشفت الدراسة عن تآكل عميق في الأمن الوجودي، مقابل بروز أنماط متعددة من الصمود الوجودي عبر التعليم في الخيام، والمقاومة القانونية، والتوثيق المعرفي المنهجي..
وتخلص الدراسة إلى أن إبادة التعليم في فلسطين تمثل بنية استعمارية مستمرة، وأن الأمن الوجودي يشكل متغيراً وسيطاً حاسماً في دفع الفلسطينيين نحو التفكير في التهجير. وتؤصّل الدراسة مفهوم "الجامعة الشاهدة" بوصفها نموذجاً لمؤسسة تعليمية تتحول إلى فاعل توثيقي ومعرفي مقاوم. وتوصي بتعزيز برامج التعليم الطارئ، وتطوير أنظمة أرشفة رقمية، ودعم شبكات المعرفة اللامركزية، والعمل على ترسيخ "إبادة التعليم" كإطار مفاهيمي مستقل.
